جلسة الثلاثاء الموافق 4 من فبراير سنة 2020

          برئاسة السيد القاضي/  فلاح شايع الهاجري - رئيس الدائرة وعضوية السادة القضاة: جمعه إبراهيم محمد راشد و الطيب عبدالغفور عبدالوهاب.
(      )

الطعن رقم 836 لسنة 2019 أحوال شخصية

نفقة . محكمة الموضوع " سلطتها التقديرية ". دفاع " ما لا يعد اخلال بحق الدفاع". مذاهب فقهية . حكم " تسبيب سائغ". نقض " ما لا يقبل من الأسباب".
- تحصيل فهم الواقع في الدعوى وتقدير ما يقضى به من نفقه ومسكن وتوابعها وتقدير مدى يسار المنفق وحاجة المنفق عليه . يرجع إلى اجتهاد القاضي . مادام سائغا . أساس ذلك؟
- يجوز زيادة النفقة وانقاصها تبعا لتغير الأحوال ولا تسمع دعوى الزيادة أو النقصان قبل مضي سنة على فرض النفقة إلا في الأحوال الاستثنائية.
- تحسب زيادة النفقة أو نقصانها من تاريخ المطالبة القضائية.
- محكمة الموضوع غير ملزمة بتتبع الخصوم في مختلف أقوالهم ومناحي دفاعهم ولا بالرد استقلالا على كل قول أو دفاع أثاروه متى كان في قيام الحقيقة التي اقتنعت بها وأوردت دليلها الضمني المسقط لتلك الأقوال والحجج.
- مثال لتسبيب سائغ في رفض زيادة النفقة.
(الطعن رقم 836 لسنة 2019 أحوال شخصية 4/2/2020  )
ـــــــ
         لما كان من المقرر في أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وقانون الأحوال الشخصية أن الأسرة تعتبر الأساس الأول في المجتمع، فبصلاحها واستقرارها يستقيم ، وبانحلالها يتصدع بنيان المجتمع ، وهي قائمة على أساس المودة والرحمة والمعاملة بالمعروف والالتزام المتبادل بين الزوجين ، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى عز شأنه من قائل في محكم التنزيل (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) ، وقد اهتمت الشريعة الاسلامية بالأسرة اهتماما بالغا، حيث جعلت الزواج السبيل الوحيد لتأسيسها ، وقد اعتبرته أقدس الروابط التي تجمع بين بني البشر، إذ نعتها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بالميثاق الغليظ حينما قال ( وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا ) ، ومن أهم الواجبات المترتبة عن عقد الزواج ، ما يتحمله الزوج أو الأب من واجب الرعاية المالية والاقتصادية للأسرة أثناء الحياة الزوجية وبعد الفراق ، وذلك بالإنفاق على الزوجة والأولاد، كما يتحمل الأطفال عند بلوغهم مع القدرة على الكسب  واجب الإنفاق على والديهم بشروط معينة ، وقد عالج الفقهاء المسلمون النفقة انطلاقا من قوله سبحانه وتعالى عز شأنه من قائل في محكم التنزيل ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ، فالنفقة هي الصورة البارزة لقوامة الرجل على المرأة داخل الأسرة، فالزوج هو المكلف بمهمة الإنفاق على أفراد أسرته باعتباره مسؤولا عن شؤونها المادية والمعنوية والاقتصادية والمالية ، وذلك أن النفقة وفق ما حددته المادة 63 من قانون الأحوال الشخصية تشمل النفقة والطعام والكسوة والمسكن والتطبيب والخدمة للزوجة إن كانت ممن تخدم في أهلها وما تقتضيه العشرة الزوجية بالمعروف، وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأولاد ، مع مراعاة مشمولات النفقة من تكاليف سكنى المحضون وأجرة الحضانة ومصاريف الولادة والنفاس والعقيقة والتوسعة على العائلة في الأعياد ، وقد قرر الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في قوله لهند بنت عتبة ، حينما أتته تشتكي زوجها أبا سفيان رضي الله عنهما من شحه، وعدم إعطائه إياها ما يكفيها ويكفي ابنها من النفقة بقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم " خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف ، وعلى هذا الأساس قام التشريع في الدولة بمراعاة دخل الملزم بالنفقة التزاما بما نص عليه الشارع الحكيم في قوله سبحانه وتعالى عز شأنه من قائل في محكم التنزيل (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) ، ومع مراعاة الوضع المعيشي والاقتصادي قبل الطلاق ، وإذا تغيرت هذه الحالة بين تاريخ استحقاق هذه النفقة، وتاريخ القضاء بها ، فالمعتمد هو تقديرها وقت الاستحقاق لا وقت القضاء ، مع ضرورة مراعاة التوسط والاعتدال ، وقد حث الله سبحانه وتعالى الزوج التوسعة على زوجته وعياله في الإنفاق ، وذلك مصداقا لقوله سبحانه وتعالى عز شأنه من قائل في محكم التنزيل (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) *سورة الطلاق*" ، ووجوب النفقة للزوجة ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة الإسلامية لقوله سبحانه وتعالى عز شأنه من قائل في محكم التنزيل " (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ ) " بحيث دلت هذه الآية الكريمة على أن الملزم بالنفقة هو المولود له وهو الزوج وذلك أن الأبناء ينسبون إليه ، وقواعد الإثبات القضائي في أحكام الشريعة الإسلامية الغراء بالنسبة لدعاوى النفقة تتميز بنوع من الخصوصية عنها في الدعاوى الأخرى التجارية والمدنية وذلك أن اليمين في الأحوال الشخصية والقضايا الشرعية تحسم في النزاع وتقيد المحكمة من حيث أثرها وتلزمها بالحكم بمقتضاها فهي ليست بيمين حاسمة لأنها توجه تلقائيا من طرف المحكمة ولا يوجهها أحد المتخاصمين للآخر ، وهي ليست يمين متممة لأنها لا توجه لتكملة دليل ناقص، كما أن من المقرر في قضاء المحكمة الاتحادية العليا أن لمحكمة الموضوع كامل السلطة في تحصيل فهم الواقع في الدعوى وتقدير ما يقضى به من نفقة ومسكن وتوابعها وتقدير مدى يسار المنفق وحاجة المنفق عليه ، ومن المقرر في قانون الأحوال الشخصية أنه يجوز زيادة النفقة وإنقاصها تبعًا لتغير الأحوال ، ولا تسمع دعوى الزيادة أو النقصان قبل مضي سنة على فرض النفقة إلا في الأحوال الاستثنائية.  وأنه تحسب زيادة النفقة أو نقصانها من تاريخ المطالبة القضائية ، ولا رقيب على محكمة الموضوع طالما أقامت قضاءها على أسباب سائغة تكفي لحمله بعد الإحاطة بأحوال الطرفين يسرا أو عسرا والوضع الاقتصادي والاجتماعي زمانا ومكانا وسائر الظروف المرتبطة... وأنها غير ملزمة بتتبع الخصوم في مختلف أقوالهم ومناحي دفاعهم ولا بالرد استقلالاً على كل قول أو دفاع أثاروه متى كان في قيام الحقيقة التي اقتنعت بها وأوردت دليلها الرد الضمني المسقط لتلك الأقوال والحجج " كما أن من المقرر في مذهبي الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل -يرحمهما الله- والمعمول بهما في الدولة "أن كل ما يرجع إلى تقدير النفقة وتحديد المسكن ونحو ذلك موكل إلى اجتهاد القاضي يرى فيه رأيه"..... وقال خليل يرحمه الله وهو من علماء المالكية  يجب على الأب النفقة على أولاده الذكور إلى أن يصلوا سن البلوغ ويكونوا قادرين على كسب قوتهم  وعلى البنات إلى حين الدخول بهنّ؛ وقال يرحمه الله: "وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ الذَّكَرِ حَتَّى يَبْلُغَ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ، وَالْأُنْثَى حَتَّى يَدْخُلَ زَوْجُهَا" [المختصر:138]، وتكون النفقة والسكنى بحسب العرف، على قدر وسع الزوج أو الأب واستطاعته ، قال القاضي أبو بكر محمد بن عاصم الأندلسي الغرناطي في التحفة:
 
وَكُلُّ مَا يَرْجِعُ لافْتِراضِ
 
مُوَكَّلٌ إلى اجتهادِ القاضي
 
بِحَسَبِ الأَقواتِ والأعيانِ
 
والسِّعْرِ والزَّمانِ والمكانِ
 
 
 
 
وعلى هذا جرت المذاهب الإسلامية الأخرى....... لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد أحاط بما سلف من قواعد شرعية أسبغها على الواقع المعروض أمامه عن فهم شرعي وعلم للواقع بعد أن استعرض دفوع الطرفين ثم خلص إلى نتيجة متوافقة مع الشريعة الإسلامية السمحاء والقانون بشأن النفقات وتوابعها وعلى أسباب لها معينها الثابت في ملف الدعوى والمتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية الغراء والقانون آخذاً في الاعتبار دخل الوالد المطعون ضده وعدم ظهور ثمة مال ظاهر له سوى التكسب ، وعدم تكسبه من وظيفة ثابتة ونفقة الولدين ....و....... ويضحى النعي عليه بعد ذلك بجميع محاوره من الطاعنة مجرد جدل موضوعي فيما لمحكمة الموضوع من سلطة في فهم الواقع ووزن الأدلة وتقدير النفقات  وثبوت الواقعة المادية والقانونية من عدمها وهو مالا يجوز إثارته أمام المحكمة العليا. ويكون النعي في غير محله ومتعين الرفض. ويكون الطعن بجميع محاوره قد أقيم على غير سند من أحكام الشريعة الإسلامية الغراء والقانون مما يوجب رفضه. 
 
      
                                         المحكمــــة
ـــــــــ
              حيث إن وقائع الدعوى تتلخص وبالقدر اللازم في أن المدعية الطاعنة رفعت دعواها الابتدائية الأولى رقم 30/2018 ملتمسة الحكم لها بالتطليق مع حضانة الولدين .......و......... وبإلزام المدعى عليه المطعون ضده بالنفقات وتوابعها لها وللولدين .........و........ وبدل السكن وبدل التأثيث.
كما تقدم المطعون ضده بدعوى متقابلة رقم 346 لسنة 2018 أكد فيها على طلبه بالتطليق وملتمسا إسقاط حضانة المدعية الطاعنة للولدين .......و........ وإثبات حقه في تحديد شؤونهما.
ندب حكمان أودعا تقريرهما وقررا التفريق .
وبجلسة 3/4/2019 حكمت المحكمة الابتدائية 1-للمدعية أصليا بالتطليق مع حضانة الولدين ....و.......... وبإلزام المدعى عليه المطعون ضده بالنفقات وتوابعها لها وللولدين .......و........... وبدل السكن وبدل التأثيث وبرفض ماعدا ذلك من طلبات للأسباب المنوه عنها في الحكم.
2-وفي الدعوى المتقابلة المقامة من المطعون ضده برفضها.
طعن الطرفان في هذا الحكم بالاستئناف.
وبجلسة 28/10/2019 حكمت محكمة الاستئناف برفض الاستئنافين وبتأييد الحكم المستأنف.
طعنت الطاعنة في هذا الحكم بالنقض وإذ عرض الطعن في غرفة المشورة فرأت الهيئة أن الطعن جدير بالنظر وحددت جلسة لنظره مع إعلان الطرفين لها
وحيث إن ماتنعاه الطاعنة على الحكم المطعون فيه عدم فهم الواقع ومخالفة القانون  والقصور في التسبيب بشأن تحديد النفقات وتوابعها غير آخذٍ في الاعتبار دخل المطعون ضده والمال الظاهر له وكسبه ، ونفقة الولدين ......و....... وبالنقصان وبقضائه بنفقات غير كافية مما يستوجب نقضه.
*سورة الطلاق*
 
وَكُلُّ مَا يَرْجِعُ لافْتِراضِ
 
مُوَكَّلٌ إلى اجتهادِ القاضي
 
بِحَسَبِ الأَقواتِ والأعيانِ
 
والسِّعْرِ والزَّمانِ والمكانِ
وعلى هذا جرت المذاهب الإسلامية الأخرى....... لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد أحاط بما سلف من قواعد شرعية أسبغها على الواقع المعروض أمامه عن فهم شرعي وعلم للواقع بعد أن استعرض دفوع الطرفين ثم خلص إلى نتيجة متوافقة مع الشريعة الإسلامية السمحاء والقانون بشأن النفقات وتوابعها وعلى أسباب لها معينها الثابت في ملف الدعوى والمتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية الغراء والقانون آخذاً في الاعتبار دخل الوالد المطعون ضده وعدم ظهور ثمة مال ظاهر له سوى التكسب ، وعدم تكسبه من وظيفة ثابتة ونفقة الولدين ....و....... ويضحى النعي عليه بعد ذلك بجميع محاوره من الطاعنة مجرد جدل موضوعي فيما لمحكمة الموضوع من سلطة في فهم الواقع ووزن الأدلة وتقدير النفقات  وثبوت الواقعة المادية والقانونية من عدمها وهو مالا يجوز إثارته أمام المحكمة العليا. ويكون النعي في غير محله ومتعين الرفض. ويكون الطعن بجميع محاوره قد أقيم على غير سند من أحكام الشريعة الإسلامية الغراء والقانون مما يوجب رفضه. 
ونظرا لما تقدم.